محمد جواد مغنية
25
عقليات إسلامية
اللّه والطبيعة : فمن أوهامهم ، ان الطبيعة قد وجدت دون موجد ، لأنها تحمل علة وجودها بذاتها ، لا انها مخلوقة من قبل كائن يتميز عنها بالاستقلال والقدم والكمال ، أي أن الطبيعة هي اللّه ، واللّه هو الطبيعة ، ولا شيء غيرها والجواب : أولا : ان لازم هذا القول إن ما في الكون من نظام وانسجام ، وفن وجمال ، وروعة وجلال قد صدر عن قوة عمياء صماء لا علم لها ولا مشيئة ، تفعل عبثا ، وتترك لا لسبب موجب ، ولا لحكمة وغاية ، وهي مع ذلك تخلق انسانا مستوي الخلقة تهبه العقل والعلم والشعور ، وتضع كل شيء في مقره ومكانه لا تخطىء ولا تنحرف ، مهما طال الزمن ! وبديهة أن البرودة لا تلتمس في اللهيب ، والحرارة في الثلوج . ولذا قيل : ان فاقد الشيء لا يعطيه . ثانيا : قال علماء الطبيعة : ان المادة تتلاشى وتتبخر إلى شحنات كهربائية وإنها تفقد بذلك وزنها وطولها وعرضها وعمقها ، وسائر الخصائص التي تمتاز بها ، ولو كان وجودها ذاتيا وضروريا لاستحال ان تتغير وتتبدل ، لأن الذي يحمل علته بنفسه لا يزول إلا بزوال علته ، وزوالها يعني انها غير ذاتية . ولذا قيل : ان ما بالذات لا يتغير ، ثم اننا نرجع بعض الحوادث إلى حوادث أخرى ، ونعتبرها السبب الفاعل ، وان بينهما ارتباطا وثيقا ، ولو كان كل شيء يحمل علة وجوده بالذات لما كان هناك علل ومعلولات وأسباب ومسببات . ثالثا : ان الانسان قد اكتشف قوى الطبيعة ، وسخرها في مصالحه وسد حاجاته ، وكادت تصبح أطوع إليه من بنانه . ومجال أن يكون الخالق عبدا مسخرا لغيره .